الشنقيطي
148
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ السجدة : 10 ] الآية . فمعنى ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها لغابت واستهلكت فيها . الثالث - الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع ، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) [ الضحى : 7 ] أي ذاهبا عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي . وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب : قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) [ يوسف : 95 ] أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف ، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك ، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات وقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [ البقرة : 282 ] أي نذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه ، بدليل قوله فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ، وقوله تعالى : قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) [ طه : 52 ] ومن هذا المعنى قول الشاعر : وتظن سلمى أنني أبغي بها * بدلا أراها في الضلال تهيم فقوله « أراها في الضلال » أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغى بها بدلا ، والواقع بخلاف ذلك . وقوله في هذه الآية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أي يظنون . وقرأه بعض السبعة بكسر السين ، وبعضهم بفتحها كما قدمنا مرارا في جميع القرآن . ومفعولا « حسب » هما المبتدأ والخبر اللذان عملت فيهما « أن » والأصل ويحسبون أنفسهم محسنين صنعهم . وقوله « صنعا » أي عملا وبين قوله « يحسبون ، ويحسنون » الجناس المسمى عند أهل البديع « تجنيس التصحيف » وهو أن يكون النقط فرقا بين الكلمتين ، كقول البحتري : ولم يكن المغتر باللّه إذ سرى * ليعجز والمعتز باللّه طالبه فبين « المغتر والمعتز » الجناس المذكور . وقوله في هذه الآية الكريمة : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [ الكهف : 105 ] الآية ، نص في أن الكفر بآيات اللّه ولقائه يحبط العمل ، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا ، كقوله تعالى في « العنكبوت » وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 23 ) والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ، وسيأتي بعض أمثلة لذلك قريبا إن شاء اللّه . وقوله في هذه الآية الكريمة : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ( 105 ) [ الكهف : 105 ] فيه للعلماء أوجه :